الأحد، 10 أبريل 2011

من مسييرة الحيـاة


 
    من  مسيرة  الحيـاة

           حيوات : أبو علي عبد الحق

  تـمـهـيــد
 بجهد ظاهر , وبطء شديد ، فتحت عينيّ لأوّل مرة - عقب ولادتي الجديدة   ليتسرب  على مهل ، اليهما النور..فأرى بهما الناس والأشـياء ، وأتعرّف ( عن كثب) على ما يجري حولي من أمور. . .
 فإذا بي أعمر احضان جدّة كريمة حانية . . كانت والدتي تطلب منها برفق  أن تضعني إلى جانبها على الفراش . . وتتوقف عن الطلب لدى اصطدامها بعناد حماتها ، التي كانت تأبى أن تتخلى لها عنّي ، بحجّة : إن هي وضعتني على الأرض ، فسوف أموت لا محالـة !
    كان الخجل يمنعها عن المضي في الطلب ، فتسكت متحلّية بالصبر . . كانت جدّ خجولة ، وعنها من هذه الخلّة أخذت نصيبي كاملا .
   رأيت , من ثمّ ، ولدين لطيفين عرفت فيهما أخويّ ! كانا فرحين بي ، يبتسمان لي معربين عن سرورهما بقدومي . . .
   لم أر والدي ، إلاّ أنّي علمت - فيما بعد - انـّـه كان (يومذاك ) غائباً في سفر استطال - بعد عودتي - فربا على ثلث قرن ، وظلّ في ديـار غربته  بأخبار شـبه منقطعة ، الى نهاية ايّامه . . حيث لحق بالوالدة ، وقد سبقته ببضعة اعوام الى الدار الآخرة . يرحمهما الله .
   عضّني الجوع فصرخت وأعولت.. فاشتروا سكوتي بكلمة طيّبة وضمّة حب وحنـان ، فرضيت بالثمن  ونويت الصيام ثلاثة ايّام متتاليـة . قهراً !
   ذلك ، انّ العـادة تقضي ( عندنا ) بأن لا يعطى المولود خلال هذه الفترة شيئاً من لبن أمـّـه ، لأنّه (بزعمهم) لا يكون سائغاً لغذائه ! وعليه أن ينزل - فيها - ضيفاً على أحد أترابه . الذين سبقوه , في عامه الأول ، الى ساح الحيـاة ، إلاّ أنّي , كما بينت ، بتّ (خلالها) على الطوى وأبيت أن أضاف مخافـة أن يمن عليّ المضيف بلبن أمـّـه ، فإنّ عادة المنّ هذه والتعيير تسري في عروقنا مع الدم ، ولو بالماء . فكيف باللبن !
  . . منعني الأرث ( الخجلي ) - وقد مر بك ذكره - وعرفني معنى قولهم " قرن الحياء بالحرمان " فأتممت بعون الله الصيام
الحراسـة

  ذات صيف , اذكره اليوم كالأمس القريب ، عهدت اليّ جدتي بأن أقوم - وقد كرّت الأيام ، وشارفت السنة السادسة - بحراسة خروف اقتنيناه ( لأجل مسمى ) فحلّ بيننا ضيفاً عزيزا . .

 كنت قد تعلمت - عند شيخ كريم - القراءة ، وشغفت بها لفداحة اتساع أوقات الفراغ لديّ : أمـّـي وإخوتي كانوا يذهبون كل يوم الى العمل في الحقل ( حقل الغير)  وكان عملهم يمتد من الليل الى الليل  وعلى امتداد اشهر الصيف كلــه , وتوقف هطول الأمطار..وكانت جدتي تـذهب (بدورهـا) كل صباح  لتعنى بكرم لها قريب وتعود قبيل الظهر بشيء من ورق العنب (للضيف) . . ثم ، إلى العمل من جديد
  على هذا . .كان طاقم الأسرة ( بكامله ) يغادر البيت كل يوم , ما عداي ، فأظل وحدي فيه . إلاّ من صحبة ( ابن الغنم ) ، كان يربط في مكان (خصص له) من الدار ، وكنت اجلس بمكان قريب يسمح له برؤيتي  فيأنس بي .   
 هذا كل عملي . . فكنت لذلك احاول دائما , قتل الوقت  بقراءة ما كان يقع في يدي من قصص وروايات وكتب قديمة.. كانت للحق بقايـا هذه الأشـياء ، إذ لا أذكر (اليوم)  أن كان بينها واحد (أو واحدة) له بدايـة أو نهايـة . ولعل أول ما قرأت  منها : " قصة الزير" . . ابتدأت وهو وراء الثأر لحماره من الأسود ، حيث بنى من رؤوسها قصراً . . وانتهت وهو جادّ في طلب الثأر لأخيه (كليب) ، والانتقام له من جساس وقومه . كنت آسف لما نقص منها وما تمزق وفقد من أوراق . . حرمتني متعة مرافقة احداثها من ألفها ليائها . إلاّ أنّ وضعها العام كـان خليق بقصة خارجة أشـلاء من وادي السباع . . وإنّي اليوم استغفر الله مما كنت اتهم به "مهلهل"  لقوله في رثاء اخيـه :
"أبات الليل ادعو في كليب * أقول لعـلّه يأتي إلينا"
فأتساءل : أيسمع من في القبور بينما استعذب قوله فيه :
" أجبني يا كليب خلاك ذمّ 
          وكيف  يجيبني  البلد  القفار"
 كـان هذا اللون الحزين من الشعر الرائق المتهادي بغير تعقيد , وما زال ، يصادف في نفسي هوى عظيما . كذلك كان فعل قصص الحب والوفاء  والبطولات وما تضفيه عليها المبالغة من صور جذّابة مسلّية ، دائبة التحليق في عالم الخيـال .
 إلاّ أنّ تلاحق الصور المتشابهة وتكرارها بغير اعتدال  وعنايتها الخاصة بالأوهام مـما يجعل هضمها عسيرا..إذ يدفع بها الى الرتابة وبي الى الملل. فكنت أراني ,احيانـا، كمن يداوي السأم بالسأم !
 كان التضخم فيها يحاصرني ، ويجعل ايّامي تدور في دائرة محـددة ، وعلى وتـيرة واحدة . ثم تأخذ الدائرة تضيق وتضيق. . عاملة بقوة على إرهاقي !
 ثمة حدث طريف كان يتخللها , بين الحين والحين  هــو وحده - في تلك الأيام - ولفترات قصيرة كان يفك الحصار عن نفسي وينتشلني من الروتين المقيت ، فيقطع شرط الصور المتكررة المتلاحقة  ويتوقف بها عن الدوران
ماذا كان يحدث :
يقصف الرعد فجـأة , وبقوّة ، وتنـار الأجواء بالبروق ، ويتعالى الهزيم ، وتهدر السماء وتزمجر  و - كأنها - تنذر بشر مستطير.. فأسرع ودقات قلبي الى الاختباء داخل البيت , وفي حبة فؤاده ، خوفاً من توعّد السماء ووعيدها . . تاركا ورائي كل شيء  إلاّ نداء ضميري النادم على اخلافي بوعدي لجدتي بألاّ اترك موقع الحراسة طرفة عين ! فماذا اقول لها الآن فيما لو سألتني فيه ؟ هذا بالرغم من أنّي لا أذكر أن في يوم من الأيام سقطت قطرة ماء واحدة أوذي بها "الشقي"..الذي كان لا يكاد يشعر بابتعادي عن مرمى عينيه ، حتى يأخذ في الصياح المتواصل . .

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق